محمد أبو زهرة

1306

زهرة التفاسير

ثانيها : قوله تعالى : وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ على أي شئ يكون العطف في العبارة السامية وَشَهِدُوا وقد ذكر الزمخشري موضع العطف ، فقال : « فيه وجهان : أن يعطف على ما في إيمانهم من معنى الفعل ؛ لأن معناه بعد أن آمنوا ، ويجوز أن تكون الواو للحال ، بإضمار قد ، بمعنى كفروا وقد شهدوا بأن الرسول حق . ولما ذا لا تكون عطفا على كفروا نفسها ويكون من باب الجمع بين المتناقضات ، كما تقول قتل القتيل وبكى عليه ، أي أن حال هؤلاء مذبذبة متناقضة ، فهم يكفرون بالرسول ويشهدون بأنه حق ، والعطف بالواو لا يقتضى ترتيبا ، فيصح أن يكون الكفر في الوقوع متأخرا عن الشهادة ولكن يجئ سؤال : لما ذا ذكر الكفر أولا ؟ والجواب عن ذلك أن الكفر هو موضع الاستنكار ، فكان تقديمه لهذا المعنى . ثالثها : أن اللّه تعالى يذكر أنهم شهدوا بأن الرسول حق ، وجاء الحق وصفا للرسول ، ولعل الظاهر أن يكون وصفا لما جاء به وهو القرآن ، ولكن وصف به ؛ لأن اليهود ما كانوا ينكرون الشرائع السماوية ، وما كان السبب في كفرهم هو ما جاء به النبي صلى اللّه عليه وسلم ، بل كان السبب هو الحسد لشخصه وللعرب ، فأشار سبحانه إلى أنهم كانوا يشهدون لشخصه ، فأوصافه عندهم ، وكانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ، فشهادتهم منصبة على شخص الرسول صلوات اللّه وسلامه عليه ، فهم يعرفون شخصه من أوصافه فهو في علمهم حق وكل ما جاء به هو الحق . وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ذيل اللّه سبحانه وتعالى الآية بهذا النص الحكيم للإشارة إلى أنهم ظالمون ، فهم ظلموا أنفسهم ، وظلموا الرسول ! وظلموا الحقائق وطمسوا على بصائرهم ، فلا يمكن أن تدخل الهداية إلى قلوبهم ، وفي النص الكريم إشارة إلى أن الظلم يحدث في نفس الظالم ظلمة شديدة لا ينفع معها ضوء . فتغلق كل الأبواب التي ينفذ منها النور إلى موضع الإدراك ، إذ إن أساس الظلم هو تسلط الهوى والغرض الفاسد والحقد والحسد على النفس ،